زكريا القزويني

192

آثار البلاد واخبار العباد

أحد الشقّين عن الآخر بل متّصل به كرمّان مشقوق ، ولأهل دمشق في ذلك الحجر أقاويل كثيرة . وينسب إليها إياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء . طلب من رجل حقّا عند القاضي ، وهو إذ ذاك يتيم ، فقال له القاضي : اسكت إنّك صبي ! فقال : إذا سكتّ من يتكلّم عني ؟ فقال القاضي : واللّه لا تقول حقّا ! فقال إياس : لا إله إلّا اللّه ! وحكي أن امرأتين تحاكمتا إليه في كبّة غزل ، فأفرد كلّ واحدة منهما وسألها : على أي شيء كبّبت غزلك ؟ فقالت إحداهما : على كسرة خبز ! وقالت الأخرى : على طرقة . فنقض الكبّة فإذا هي على كسرة خبز . فسمع بذلك ابن سيرين فقال : ويحه ما أفهمه ! وحكي انّه تحاكم إليه رجلان فقال أحدهما : إني دفعت إليه مالا . فجحد الآخر ، فقال للمدّعي : أين سلّمت هذا المال إليه ؟ فقال : عند شجرة في الموضع الفلاني ! فقال المدّعى عليه : انا ذلك الموضع ما رأيت قطّ . فقال : انطلقوا بالمدّعي إلى ذلك المكان وابصروا هل فيه شجرة أم لا ؟ فلمّا ذهبوا إليه قال بعد زمان للمدّعى عليه : ترى وصلوا إلى ذلك المكان ؟ قال : لا ، بعد ! فقال له : قم يا عدوّ اللّه ، إنّك خائن ! فقال : أقلني أقالك اللّه ! واعترف به . دمندان مدينة كبيرة بكرمان ، قال ابن الفقيه : بها معادن الذهب والفضّة والحديد والنحاس والتوتيا والنوشاذر في جبل شاهق يقال له دنباوند . وفي هذا الجبل كهف عظيم يسمع من داخله دويّ شبه خرير الماء ، ويرتفع منه شبه دخان ويلتصق بحواليه ، فإذا كثف وكثر خرج إليه أهل المدينة يقلعونه ، وهو النوشاذر الجيّد الذي يحمل إلى الآفاق ، وقد وكّل السلطان به قوما حتى إذا جمع كلّه أخذ السلطان خمسه .